حفل افتتاح الأفلام الشبابية :

العنوان بحد ذاته تحدٍ للمألوف، فكم بالحري عندما يكون صانعو تلك الأفلام ليسوا إلا مجموعة من الفتيان والفتيات الصغار.

لعل هذا الخروج عن المألوف هو ما دفع بالعشرات من الشباب والصبايا "وبعض الكبار" من أهالي ومندوبين ومندوبات عن المؤسسات الأهلية المحلية، بالتجمهر قبل موعد العرض خارج القاعة، متلهفين للدخول والإطلال مباشرة على مضامين تلك الأفلام التي تعددت التكهنات والتفسيرات حولها.

نعم، قاعة سينماتك الناصرة عجت يوم الجمعة بحضور فاق كل التوقعات، للمشاركة بالأمسية الشبابية، وقد كانت شبابية تماما، بمضمونها وبالمشاركين بها، بل وحتى بالقائمين المباشرين عليها. باقة جميلة من المجموعات المتفرعة هنا وهناك، وقوفا أو جلوسا حول الطاولات القليلة المتوفرة في المكان. مجموعة شباب وشابات في زاوية، ومجموعة أهالي بزاوية أخرى، مجموعة فتيات ونساء حول طاولة بعيدة، أعضاء وعضوات منتدى الجنسانية يحومون كالفراشات بين الحضور للترحيب والتقدير والتعبير عن الحب والاحترام لكل من حضر.

على المدخل، تراكمت نسخا عديدة من كتيب "صرت صبية" وهو بمثابة دليل مُصغّر يهدف إلى تعزيز المعرفة حول كل ما يتعلق بمرحلة المراهقة من تغييرات جسدية ونفسية وانعكاسها على السلوك الشخصي وعلى العلاقات مع الآخر، الأهل والمجتمع عموما.  لقد أثار الكتيب اهتمام العديدين، إذ كان مشهد العديدين ممن حملوا الكتيب وجلسوا يطالعونه بشغف وبهدوء على جوانب القاعة، كان مشهدا مثيرا، لا سيما وأن البعض توجهوا إلينا للتعبير عن إعجابهم بمضامين الكتيب وأسلوبه الشيق الذي يحاكي عقول ولغة الفتيات غي القرن الواحد والعشرين. أما التعليق الذي تكرر بالعشرات فقد دار حول غياب كتيب شبيه موجه للفتيان في هذه المرحلة العمرية.

عودة إلى المخرجين والمخرجات الصغار: لا يمكن وصف الانفعال الذي عشته وأنا أراقب مجموعة الثمانية شباب وشابات وهم يبذلون جهودا جبارة في تبديد التوتر البادي عليهم، وذلك من خلال التدرب على كلماتهم التي سيدلون بها أمام الحضور بعد عرض كل فيلم. الحضور خارج القاعة ينتظرون بفارغ الصبر، "ومجموعة الثمانية" داخل القاعة يتدربون ويتدربون.  الجهوزية عالية ولكن الطبيعة الإنسانية غلابة ورهبة المسرح لا بد منها، فتطغى على كل التحضيرات والجهوزية.

 

دقت الساعة ودعي الحضور لدخول القاعة فتم ذلك ببضعة دقائق بدأ بعدها مباشرة منسق مشروع الشباب بإلقاء كلمته، ومعها بدأت دفقات قلبي بالتسارع فرحا وإعجابا، وتوترا من القادم اللا- معروف. فمن ناحية، مشاعر الأمومة تجاه هؤلاء الصغار وخوفي عليهم من توترهم، ومن ناحية أخرى، توتري وخوفي عليهم من ردود فعل أهلهم ومحيطهم الاجتماعي اليومي، بعد خروج هذه الأفلام إلى العلن.

عُرضت الأفلام وكانت بمُجملها ذكية جريئة وواعدة، وتلا كل فيلم كلمة من مخرجه أو مخرجته الصغيرة. كم شعرت بالفخر وأنا أتابع كلمات وحركات وتعليقات هؤلاء الصغار، وكم أغواني عمق تفكيرهم ورؤيتهم النقدية للنفاق المجتمعي السائد ولقمع الحريات في كل ما يتعلق بالجسد وبالعلاقات، بل وحتى بالحق في المعرفة.

 

تابعت الأفلام والكلمات بشغف على الرغم من انشغال ذاكرتي باستعراض النقاشات والحوارات التي دارت بين أفراد طاقم المنتدى حول مضمون الأفلام. لقد خضنا تخبطات مكثفة حول مبدأ "احترام العقول" مقابل التدخل والإملاءات على المجموعة في "تخفيف" المضامين أو تغييرها، لكننا بالنهاية قررنا بأن "الممارسة شعارنا"، هكذا عبر عنها الزميل وافي في مطلع كلمته التي افتتحت الحفل.

أما ردة فعل الجمهور والأهالي فقد بددت كل المخاوف التي سبقت العرض لأها بمجملها كانت متقبلة، مشجعة وراضية، بل ومحفزة للبعض من الأهالي الذين توجهوا إلي مباشرة للتعبير عن سعادتهم بالنشاط وفحص إمكانيات انضمام أبنائهم وبناتهم لأنشطة مماثلة يقوم بها المنتدى.

هذا الحضور الكمي من جهة والنوعي من جهة أخرى، لا يمكن الاكتفاء به كمؤشر "للنجاح"، بل هو مقدمة لمسار جديد لا بد من خوضه مع فئة الشباب التي أثبتت بأنها "تستطيع" وعكست ربما ترهلنا النسبي وتوجسنا من مواجهة مباشرة لهذا المجتمع. إذ أن عمرهم الصغير لا يتسع للاعتبارات، لا الصغيرة ولا الكبيرة، التي عليهم "مجاراة" المجتمع بها، ولا يكترثون "بالأثمان" التي قد يقدمونها، فهم في عمر الورد، والحياة أمامهم طويلة سيحققون بها أحلامهم وآمالهم بدون شك.

هذا التحدي هو ما خرج به منتدى الجنسانية من هذا الحفل. لا زلنا في مرحلة النشوة ونعلم بأننا سنستكمل العمل مع فئة الشباب، وسنحاول استقطاب مجموعات جديدة، وسنفسح المجال أمام الفحص والتأمل، وسنفتح الحوار مع الأطر المجتمعية الأخرى، ولكننا وفي هذه اللحظة لا نعلم كيف؟ ما هو مؤكد بأن الشباب والشابات سيقودون الدفة في هذا المسار المثير، ودورنا في منتدى الجنسانية هو تقديم الدعم الفكري والمادي والإشراف المهني.

لقد حمل هذا الحدث أثير التمرد والثورة على القائم والظالم، وحمل دعوة للتحرر من القمع الفكري، وأكد على أن التحرر الحقيقي يبدأ بتحرر العقل والإنسان، ومن ثم الوطن.   

_________________
* مديرة المنتدى العربي لجنسانية الفرد والأسرة

لعل هذا الخروج عن المألوف هو ما دفع بالعشرات من الشباب والصبايا "وبعض الكبار" من أهالي ومندوبين ومندوبات عن المؤسسات الأهلية المحلية، بالتجمهر قبل موعد العرض خارج القاعة، متلهفين للدخول والإطلال مباشرة على مضامين تلك الأفلام التي تعددت التكهنات والتفسيرات حولها.