التّربية الجنسيّة والهويّة الجنسيّة في الطّفولة المبكّرة

شباط، 2011
 
 
إنّ التطوّر الجنسيّ هو تطوّر بشريّ يخضع لقوانين ومرتبط بالصّفات الشّخصيّة للفرد، وعلى الرّغم من كونه نتاجًا لتطوّر بيولوجيّ فإنّه يمرّ بمراحل ترتبط بالنّضج وبالتّعلّم الاجتماعيّ والتّهيئة النفسيّة،  إذ يحدّد سلوك الإنسان بالإضافة إلى مستوى نموّه عدّة عوامل: ثقافته، تجاربه الحياتيّة، القوى البيولوجيّة والوراثيّة المتوفّرة لديه وظروف الحياة الأخرى (الاقتصاديّة، السياسيّة، الاجتماعيّة، النّفسيّة،...). 

يولد الأطفال ككائنات محدّدة الجنس، وجنس الطّفل هو صفة أوّليّة تحدّد عند اللّقاح.  كما وأنّ الرّغبة الجنسيّة هي طاقة طبيعيّة متوفّرة لدى الطّفل منذ الولادة، وهي تنمو حسب قوانين النموّ النّفسوجنسيّة، ولا نستطيع تجاهلها في أيّة عمليّة تربويّة نقوم بها.  وتعتبر السّنوات الخمس الأولى الأساس لبناء هوية وشخصيّة الطّفل المستقبليّة، ورؤيته لذاته وللآخرين من حوله.  وقد كتب الكثير حول التّربية في هذه المرحلة، ونستطيع القول أنّ ما يصحّ كأسلوب تعامل في التّربية العامّة، هو صحيح بالنّسبة للتّربية الجنسيّة.  إنّ التربية الجنسيّة هي جزء لا يتجزّأ من التّربية العامّة.

عندما يُثار السّؤال في لقاءات الأهالي والمربّين والمربّيات: هل توجد تربية جنسيّة في مجتمعنا؟  تتوحّد الإجابة بـ "لا" حاسمة! إذ أنّ الغالبيّة العظمى تعتقد بأنّ مجتمعنا خالٍ من التّربية الجنسيّة.  ينبع هذا الاعتقاد الخاطئ من الفكرة القائلة أنّ التّربية الجنسيّة عبارة عن برامج خاصّة نشرحها ونُجيب بها عن أسئلة الطّفلة بإجابات لغويّة.  ولكن من المعروف أنّ الطّفل يتعلّم أسس الحياة عن طريق التّجربة وعبر علاقته بوالديه، وعبر التّجارب والمثيرات الحياتيّة المختلفة-  فالمصادر والوكلاء أكثر من أن نستطيع السّيطرة عليها. 

أنّ غياب تربية جنسيّة واعية ومخطّطة هو أيضًا تربية، فأيًا كان موقفكم من التّربية الجنسيّة كمبدأ، سيؤثّر على سلوككم تجاه الطّفل الذّكر أو الأنثى وسيساهم في بناء أفكاره عن ذاته، قدراته، هويّته وعن البيئة الّتي حوله وبالتّالي سيساهم في تربيته، بغضّ النّظر إن كانت صحيحة أم خاطئة، مخطّطة أو عشوائيّة. كلّنا قد حصلنا على تربية جنسيّة تضمّنت مواقف ومعلومات، اختلفت نوعيّتها ومصدرها واختلفت طريقة الحصول عليها ولكنّها أثّرت على بناء رؤيتنا الجنسيّة الذّاتيّة، هويّتنا، مواقفنا ومعتقداتنا وبالتّالي سلوكنا.  فالتّربية الجنسيّة متوفّرة مهما كانت مواقفنا ومهما كانت ممنهجة او سليقيّة. ولذا فمن المهمّ توفير جوّ اجتماعيّ، عاطفيّ، نفسيّ، صحّيّ نحصل من خلاله على مبتغانا ونجعل التّربية الجنسيّة مخطّطة وموجّهة، محدّدة المضامين وواضحة المعالم.
 
تترافق التّربية الجنسيّة في مجتمعنا غالبًا مع مظاهر مختلفة كالخوف أو الخجل والحرج، الحيرة والمنع (منع المعلومات أو السّلوكيّات)، الجهل والاعتقادات الخاطئة، الصّمت والتّابو والعقاب، وفي كثير من الأحيان يحكمون على الأمور من خلال هذا الخوف أو الخجل أو الاعتقادات الخاطئة. ففي رؤوس العديد منّا يبقى الجنس مرتبطًا بالخوف أو القدسيّة أو العيب، فهو موضوع "مُخيف".  مرتبط بالصّمت، "تابو"، وفي بعض الأحيان يختلط الأمر علينا ونشعر بالخجل أو النّدم وغيرهما من مشاعر تجذّرت فينا من خلال تربيتنا وتعاملنا مع موضوع الجنس.  ونحن نعكس ذلك في تعاملنا مع أطفالنا ومع تطوّر هويّتهم الجنسيّة (جنسانيّتهم1). فنقف حجر عثرة أمام بلورة هويّة جنسيّة ومواقف إيجابيّة حول هذه الهويّة بتنوّعها وفروقاتها، وأمام بناء الأطفال والطّفلات لعلاقات صحّيّة ترتكز على التّفاهم المتبادل والاحترام للحاجات والمشاعر.

 

تأخذ التّربية الجنسيّة الشّموليّة بعين الاعتبار الطّفلة، حاجاتها ومراحل نموّها، الأهل، حاجاتهم وقيمهم والمجتمع وقيمه. وهي "تربية حياتيّة" ومسار اتّصال بشريّ مستمرّ.  ولا يمكن التّحدّث عن التّربية الجنسيّة بمعزل عن المجتمع.   فلا تنحصر التّربية الجنسيّة بمفهومها الشّموليّ على تزويد الفرد بالمعلومات العلميّة والخبرات بالنّسبة للمسائل الجنسيّة فحسب، بل تتعدّاها إلى بناء شخصيّة الطّفل، ذكرًا أم أنثى واثق بنفسه وبمن حوله، متلائم مع مجتمعه.  لذا فالتّربية الجنسيّة ليست عبارة عن نقل معلومات علميّة فقط، بل هي نتاج لعلاقة ورعاية مستمرّة بين الطّفلة والبيئة القريبة بشكل خاصّ والواسعة بشكل عامّ.  إنّها مسار اتّصال مستمرّ متلائم مع احتياجات الأطفال واهتماماتهم ومخاوفهم ومشاعرهم.  إنّها عبارة عن توفير التّجارب وتمكين الطّفل من الاستكشاف والمعرفة، استكشاف ذاته ومن حوله، والتّعلّم من خلال هذه التّجارب، كلّ حسب قدراته ومستوى نموّه. التّربية الجنسيّة الشّموليّة تزوّد الأطفال بالمعلومات الدّقيقة جنبًا إلى جنب مع محاولة إكسابهم مواقف إيجابيّة متقبّلة لجنسانيّتهم2 بما في ذلك أدوارهم كذكور وإناث وكأبناء بشر لهم أهمّيّة في داخل العائلة والمجتمع.  تساهم التّربية الجنسيّة الشّموليّة في تعامل الطّفل مع هويّته الجنسيّة كجزء لا يتجزّأ من جوانب شخصيّـه المتعدّدة، فتنمّي المعتقدات والمواقف السّليمة حول ذاته وهويّـته الجنسيّة وحول الآخرين، ويرى أهمّيّة كلّ جنس. أي أنّها تساهم بأن يتقبّل الطّفل جميع أعضاء جسمه وجميع مراحل نموّه. إنّها تزيد الثّقة بالّذات وتساهم في بناء شخصيّة الطّفل المتكاملة غير المنقوصة. التّربية الجنسيّة الشّموليّة تهتمّ بتنمية الهويّة الجنسانيّة للطّفل.

إنّ التّربية الجنسيّة الشّموليّة تسهم في استقلاليّة الفرد من خلال التّأكيد على تطوير قدرته على الاتّصال والتّعبير عن مشاعره الجنسيّة وحاجاته. فالإنسان الّذي لا يستطيع التّعبير عن حاجاته ورغباته لا يستطيع فهم حاجات ورغبات الآخرين، ويكون أقلّ استقلاليّة في بناء علاقاته المستقبليّة.  كما وتسهم في زيادة قدرة الفرد على القرار المستقلّ، مع الأخذ بعين الاعتبار الآخرين والمسؤوليّة الاجتماعيّة.  إنّ التّربية الجنسيّة الشّموليّة تطوّر إيمان الفرد بنفسه والثّقة بقدراته على الحكم في أمور يواجهها، وذلك لأنّها تساهم في زيادة حساسيّـته وانتباهه للمواقف الّتي تواجهه.

تدعم التّربية الجنسيّة الشّموليّة التّوجّه الإيجابيّ للجنس، ووعي الطّفلة لكونها كائنًا جنسيًّا إنسانيًّا مع التّشديد على خصوصيّة كلّ جنس وعلى المساواة بينهما.  فتساعد الطّفلة على فهم دورها في الحياة والاكتفاء بها.  كما وتنميّ اعتزاز الطّفلة بهويّتها الجنسيّة وتساعدها على تقدير قدرات ومساهمات الجنس الآخر.

التّربية الجنسيّة المقدّمة في البيت بكرامة وحزم تسدّ مكان المعلومات الّتي تصل الأطفال من مصادر خارجيّة غير مسؤولة، وتشجّع على تنمية ضوابط سلوكيّة إراديّة لدوافع ولرغبات غريزيّة، وتنمّي الشّعور بالمسؤوليّة الفرديّة والاجتماعيّة وتنمّي الوعي والثّقافة العلميّة.

إذا تعدّت التّربية الجنسيّة الشّموليّة طابعها الفرديّ إلى المجتمعيّ (أي الاتّفاق بين جميع الأطراف المشتركين في التّربية كالأهل، المربّين والمربّيات، المؤسّسات التّربويّة، وسائل الإعلام). ومن شأنها أيضًا خلق مواقف إيجابيّة للجنسين وبناء مجتمع أكثر تكافؤًا يعتمد على جنسيه إناثًا وذكورًا، وتزيد من قدرة الفرد على العيش في جوّ عائليّ مريح وممتع مع إدراك العلاقات المتبادلة داخل العائلة والتّعامل معها، ممّا يزيد من قدرته على التّصرّف كابن، أخ، أخت، ابنة، أب، أم.

تساعد التّربية الجنسيّة الشّموليّة على الأخذ بعين الاعتبار القيم الاجتماعيّة المرتبطة بالحياة العائليّة وبالجنس، وتدعم التّفهّم للسّلوك الجنسيّ المختلف وتساهم في تقبّل كلّ إنسان مهما كان، وفي احترام حقّ الفرد في اختيار ميوله الجنسيّة.

تسهم التّربية الجنسيّة الشّموليّة في النّموّ السّليم وتقي من التّعقيدات في الحياة المستقبليّة، فتشبع حبّ الاستطلاع الطّبيعيّ لدى الطّفلة بشكل يفيدها، وتخفّف من مصادر الخوف والقلق لدى الأطفال، وتساهم في إدراكهم بوجود الأهل إلى جانبهم لدعمهم عند الحاجة، ولبناء ثقة متبادلة، كما وتبني ثقة الأطفال بالأهل.

في هذا المقال لن نوضّح أسس التّربية الجنسيّة الشّموليّة3، بل سنتحدّث عن أهمّيّتها كمركّب أساسيّ من مركّبات الهويّة.

إنّ هويّتنا الجنسيّة تتطوّر بمراحل. فتخضع إلى قوانين النّموّ العامّة وترتبط بمجالات النّموّ المختلفة.  إنّ النّموّ الجنسيّ هو مجال من مجالات النّموّ ومرتبط بها، فهو يؤثّر ويتأثّر أيضًا من المجالات الأخرى.  فلا نستطيع فهم مراحل النّموّ الجنسيّ بمعزل عن النّموّ العقليّ والعاطفيّ والاجتماعيّ والجسديّ.

إنّ هويّتنا الجنسيّة تتبلور عبر مسارات الجتمعة (=التّنشئة الاجتماعيّة) لتصبح وبحكم النّموّ والتّعلّم الاجتماعيّ متلائمة مع القوانين الاجتماعيّة الخاصّة بكلّ مجتمع.  فمن خلال التّربية الجنسيّة نشجّع بناء موقف مثلاً يرى أهمّيّة حاجات ومشاعر الآخرين في العلاقة الجنسيّة كأهمّيّتها لنا.  وتتطوّر القدرة على تفهّم وإدراك الحاجات والمشاعر الجنسيّة (الواعية وغير الواعية) للأشخاص الآخرين، وذلك من خلال تطوير إدراكنا وفهمنا لمشاعرنا وحاجاتنا الذّاتيّة.  فدون هذا التّفهّم لا نستطيع أن نتوقّع من الشّخص بناء علاقة مبنيّة على الاحترام والتّفهّم المتبادل.

في التّربية الجنسيّة كما في كلّ تربية من المهمّ أيضًا وضع حدود.  إنّ مثل هذه الحدود فرديّة وخاصّة لكلّ بيت أو حضانة أو روضة ويضعها الأهل والمربّون حسب ما يرونه مناسبًا.  من المهمّ عدم الإفراط في الحدود والموانع والقوانين الّتي لا معنى لها ولا تلائم مستوى الأطفال.  إنّ الحدود متعلّقة أيضًا بآراء الأهل ومواقفهم. ومن المهمّ توضيحها لأنفسنا أوّلاً كي لا تنشأ ازدواجيّة في المواقف وذلك حين نعبّر عن الشّيء ونقوم بنقيضه. مثل هذه الازدواجيّة تبلبل الطّفل وتفقده ثقته بأهله.  إنّ سلوكيّاتنا هي انعكاس لأفكارنا ومعتقداتنا ولا نستطيع فرض أمر على أحد.  من المهمّ أن يكون الأهل على قناعة بكلّ نمط من أنماط سلوكهم أمام أطفالهم فهي تعكس قيمهم، ولا توجد  حدود صحيحة أو خاطئة أو مقبولة على الجميع فالأمر مرتبط بالعائلة وعاداتها الخاصّة.

إنّ ردود فعل الأهل على سلوكيّات الطّفلة تحدّد رؤيتها لذاتها ولهذه السّلوكيّات ولأهلها من حولها، فكثير من الأهل يعتقدون مثلاً بأنّ مداعبة الأعضاء الجنسيّة ظاهرة غير مرغوب فيها، وهكذا يمرّ الطّفل في مرحلة مبكرة جدًّا بتجربة غير مريحة مع جزء من جسمه عندما يسرع الأهل لتحفيضه أو لضربه على يده، ويصدرون أصواتًا تعبّر عن عدم الرّضا عن ذلك، محاولين منعه عن القيام بمثل هذه السّلوكيّات.  وهنالك بعض الأهالي الّذين يقومون بملاعبة الطّفل، خاصّة إنْ كان ذكرًا والغناء له ولأعضائه الجنسيّة، لكن عندما يحاول الطّفل أن يتعرّف على هذه الأعضاء بنفسه فإنّهم يمنعونه ويضربونه على يده.
إنّ الرّسالة الّتي تلقّاها الطّفل هي أنّ هذا الجزء من جسمه مختلف عن باقي الأجزاء.  ومع المدّة تقترن ملامسة أعضائه الجنسيّة بالخوف، ويشعر بالذّنب كلّما لامس أعضاءه الجنسيّة،  من شأن مثل هذا الشّعور أن يؤدّي إلى مخاوف لا مبرّر لها. وإذا استدامت فإنها تؤدّي إلى مشاكل نفسوجنسيّة متنوّعة.  ويزداد الشّعور بالبلبلة إذا كانت ازدواجيّة في المواقف، أي أنْ يمنعوه من ملامسة قضيبه مثلاً ويسمحون لأنفسهم.

التّربية الجنسيّة والهويّة الجندريّة
التّربية الجنسيّة الوظيفيّة هي تحديد وظائف ترتبط بجنس الطّفل، بشكل واعٍ أو غير واعٍ.  دون الالتفات إلى رغبات وقدرات الطّفل أو الطّفلة، فتوجّه الذّكور والإناث إلى سلوكيّات وتنسب إليهما صفات محدّدة مسبقًا. إنّ التّربية الجنسيّة الوظيفيّة- النّوع اجتماعيّة تسعى لبلورة نموذج "أنثوي" لجميع الفتيات والنّساء ونموذج "رجوليّ" لجميع الفتيان والرّجال، وبهذا فهي تربية جنسويّة4. تعكس هذه التّربية الاعتقادات السّائدة حول الصّفات الأنثويّة والرّجاليّة في المجتمع، وما يجب أن تكون عليه هذه الصّفات. وتسعى إلى تحديد الوظائف، فتقرّر ما يجب أن تعمل به المرأة- الأمّ وما يجب أن يعمل به الرّجل- الأب.

إنّ حاجات النّموّ لدى البنات مشابهة لحاجات النّموّ لدى البنين، فجميعهم بحاجة إلى لعب تمثيليّ، وجميعهم يمارسونه للتّعرّف على ذواتهم وعلى من حولهم. وجميعهم يتعلّمون من التّجربة العينيّة ومراقبة الآخرين.  فجميع الأطفال، ذكورًا وإناثًا، يحبّون تقليد آبائهم وأمّهاتهم في أعمالهم اليوميّة، وجميعهم يحبّون انتعال الكعب العالي أو حذاء الأب وفستان الأمّ. ولكنّنا ومن خلال اتّصالنا معهم نمنعهم، وبهذا نوجّههم لوظائف محدّدة وبالتّالي نكرّس تقسيم الوظائف الجنسويّ غير المتساوي في المجتمع. التّربية الجنسويّة تبدأ في البيت وتستمرّ في المدرسة وفي الكتب التّدريسيّة وقصص الأطفال5، وفي توجيهات مباشرة وغير مباشرة في الصّور المتحرّكة والمسلسلات التّلفزيونيّة وأغاني الأطفال.  وتذوّت لدينا ذكورًا وإناثًا- فنرى مثلاً امرأة تنتقد زوجها لعدم مشاركتها في أعباء المهام البيتيّة، لكنّها في الوقت نفسه ودون أن تعي تشجّع ابنها على عدم القيام بواجبه تجاه نفسه أو تجاه البيت، وتطلب من أخته أن تجلب له الماء وتقوم على خدمته وما إليه من ظواهر يطول شرحها هنا، ولكنّها ظواهر تعكس تذويتها لهذه القيم، وقيامها بدور يتناقض مع مصالحها الفعليّة بكونها امرأة تعاني من هذا التّقسيم الجندري الجنسويّ.

إنّ مثل هذه التّربية الجنسويّة تقف حجر عثرة أمام الفتاة والفتى، فتمنعهما من اكتشاف قدراتها الكامنة ومواهبهما المميّزة وتحدّد إمكانيّاتهما المستقبليّة بناءً على جنسهما، دون الالتفات إلى ماهيّة قدراتهما ومدى استعدادهما لتحمّل هذه الوظيفة أو تلك.  فهنالك مهارات واهتمامات ممنوعة عنهما لمجرّد كونهما ذكرًا أو أنثى.  إنّها تربية تمنع مجتمعنا من الاستفادة من القدرات الكامنة لدى أفراده ذكورًا وإناثًا وتحافظ على الوضع القائم.

 
عندما يتعلّم الأطفال تقدير واحترام الفوارق بينهم يصبحون أكثر وعيًا للتّشابه. وكما ذكرنا فالتّربية الجنسويّة عبارة عن مواقف يوميّة نواجهها ونتفاعل معها ونعكس من خلالها آراءنا ومبادئنا. عندما نقول لطفل ذكر "لا تلعب بالدّمية"، فإنّنا نوجّهه ونبني رؤيته الجنسيّة الوظيفيّة (الجندريّة) عن ذاته الّتي ستكبر معه، لتصبح "تربية الأطفال والعناية بهم ليست من شأني بل من شؤون المرأة".  وعندما نقول لطفلة حضرت لتوّها باكية: "لقد قلت لك من الأفضل أن تبقي إلى جانبي ولا تخرجي إلى الشّارع"، بينما نقول للطّفل: "مَنْ ضربك اضربه" فإنّنا بهذا نوفّر لكليهما وسائل التّعامل مع مشاكلهما في المستقبل. ونبثّ للطّفل رسالة المواجهة والعنف والعدوانيّة.  وللطّفلة الخنوع والتّراجع أمام العنف. (الجملتان في الحالتين تحتويان على رسائل خاطئة6) وترافَق هذه الرّسائل برسائل مشابهة على مرّ السّنوات عبر وسائل الإعلام ومؤسّسات التّربية الرّسميّة وغير الرّسميّة وكتب الأطفال وغيرها فتذوّت محتوياتها.
إنّنا بذلك نقلّص الإمكانيّات الّتي تسنح للفتاة أو الفتى ونحدّدها لهم مسبقًا لمجرّد كونهما ذكرًا وأنثى دون الالتفات إلى قدراتهما الفعليّة.  إنّ كيفيّة التّعرّض لهذه القضايا تستلزم نقاشًا آخر، ولكنّها جزء من التّربية الجنسيّة الوظيفيّة الّتي تحدّد وظائف كلّ جنس في المستقبل أيضًا. وتكرّس التّقسيم الوظائفيّ الجنسويّ بين الأجناس في المجتمع.
تنعكس التّربية الجنسويّة في جميع مجالات الحياة، ففي الرّوضة مثلاً تتجسّد بترتيب البيئة التّربويّة وبالتّوجيهات المباشرة وغير المباشرة مِنَ المربّية للطّفل أو الطّفلة:
"زاوية المنزل للبنات"
"زاوية المكعّبات للبنين"
"الأمّ هي الّتي تطبخ"
"الأب يعمل خارج البيت"
وما إليه من توجيهات جنسويّة مباشرة وغير مباشرة تحافظ على تقسيم الوظائف التّقليديّ.
وفي الواقع هنالك نماذج مختلفة فكلّ من الوالدين يحبّ الطّفل ويهتمّ به ويشبع احتياجاته. ومن يغلي الحليب في البيت مثلاً أو من يغيّر للطّفل، كلّ هذا مرتبط بتقسيم الوظائف الفرديّ الّذي حدّده الزّوجان معًا، وهو تقسيم مختلف من عائلة إلى أخرى.  هذه التّعدّدية من أنماط تقسيم الوظائف في العائلات المختلفة تتطلّب منّا احترامًا وتقبّلاً، ينعكسان في الامتناع عن فرض آرائنا بواسطة تحديد ما هو للأمّ وما هو للأب بنظرنا.
ففي عائلة سلفيني مثلاً يغيّر الأب للطّفل ملابسه في الصّباح والأم تعدّ الزّوّادة، بينما في عائلة دلفيتي- الأمّ تغيّر والأب يعدّ الزوادة، فهل يقع ضمن مسؤوليّتنا كمربّيات القول إنّ عائلة سلفيني أفضل من عائلة دلفيتي، أم علينا أن ندعم كلا العائلتين ونفتح المجال للأطفال للتّعرّف على النماذج المختلفة واحترامها؟

إنّ علاقة الأمّ والأب والمربّين بأطفالهم مهمّة جدًّا لتطوير رؤية ذاتيّة إيجابيّة عن أجسادهم، فالبيئة المتقبّلة والمحبّة تساهم في تطوير الهويّة الجنسانيّة للطّفلة.  فإذا عبّرنا عبر علاقتنا بأطفالنا عن حبّنا لهم وتقبّلنا لهم ولأجسادهم ولجميع أعضائهم بما فيها الأعضاء الجنسيّة، فإنّ رسالتنا تساهم في نموّ رؤية ذاتيّة إيجابيّة عند الطّفلة عن ذاتها وعن جسدها.  أمّا إذا تميّزت هذه العلاقة بالرّفض والتّقزّز كلّما اقتربنا من أعضائها الجنسيّة مثلاً، فإنّها ستبني رؤية سلبيّة عن ذاتها وعن أعضائها الجنسيّة ممّا يؤدّي إلى مشاكل مستقبليّة.
 
علاقة الأمّ بالأب هي أيضًا نموذج للطّفل، فإن تربّى الطّفل في بيت لا يحترم الأب الأمّ ويقوم بضربها وتوبيخها بشكل دائم، فإنّ هذا الأمر سيبلبل الطّفل وسيبني لديه مفهومًا مشوّهًا عن العلاقة بين الوالدين، لكن إذا تربّى في بيت يعبّر الأب والأمّ عن احترامهما لبعضهما البعض، ويظهران علاقة ودّيّة بينهما فلا يمتنعان عن التّعبير عن مودّتهما أمام الأطفال، فهما يوفّران بذلك نماذج إيجابيّة يستطيع الطّفل التّماثل معها.

من المهمّ أن نسعى في البيت، الحضانة والرّوضة لأن نوفّر للبنات وللأولاد كلّ الإمكانيّات ليتعرّفوا على جميع الوظائف والسّلوكيّات، ويجرّبوها حتّى يستطيعوا الاختيار فيما بعد بناء على معرفتهم بهذه السّلوكيّات.
إن التّربية الخالية من تقسيم وظائف تقليديّ لا تدعم الأفكار النّمطيّة السّائدة حول البنين والبنات. هذه الأفكار تتلخّص بـ:
• البنات يلعبن بالدّمى والبنون بالسيارات.
• البنات أنعَم من البنين.
• البنات يتحدّثن عن الصّراعات. والبنون يحاولون الابتعاد عن الأحاديث حول الصّراع.
• البنون يقضون وقتًا طويلاً في زاوية المكعّبات. والبنات في زاوية اللعبة.
• البنون عدوانيّون. والبنات مسالمات.
• البنات خجولات. والبنون يفرضون إرادتهم بصوت عالٍ وبشكل ملحّ.
• اللّعب التّمثيليّ لوظائف عائليّة شائع بشكل أساسيّ بين البنات، في حين يميل البنون إلى ألعاب الحرب والعصابات و"الكاوبوي".
• البنات يظهرن قدرات عمليّة أكثر من البنين (ربط الرّباط، جلي -غسل الصّحون-، تكنيس وغسيل).
 
---------------------------------------------
 
1 الجنسانيّة كلمة محدثة منحوتة من كلمتيّ الجنس والإنسانيّ، نستخدمها كمرادف لـ sexuality.
 
2 سأستعمل مصطلح "الجنسانيّة"  هنا للدّلالة على أنّ الجنس ليس مفهومًا جامدًا بل جزءًا من مبنى الشّخصيّة، بدل المصطلح "الهويّة الجنسيّة"  فالحياة الجنسيّة  متعددة الأبعاد: كالسّلوك الجنسيّ، المواقف الجنسيّة، الأفكار والتّخيّلات الجنسيّة،..  فالحياة الجنسيّة ليست سلوكًا فقط بل مشاعر وأفكارًا ومعتقدات. كما وأنّني أستعمل هذا المصطلح للدّلالة على الدّيناميكيّة:  فالنموّ الجنسيّ هو عمليّة مستمرّة تحدّد هويّتنا الجنسيّة والعاطفيّة والاجتماعيّة، وليس فقط ميلنا ورغبتنا الجنسيّة، كما وأنّه يحدّد انتماءنا الجنسيّ وكيفيّة تعاملنا مع الجنس الآخر ومع أنفسنا بمنطلقات إنسانيّة، لذا فالهويّة الجنسانيّة هي قيميّة- تحتوي على جميع القيم الإنسانيّة.
 
3 للمزيد يمكنك مراجعة كتاب: نبيلة اسبانيولي، التّربية الجنسيّة في الطّفولة المبكرة، مركز الطّفولة، النّاصرة، 1996.
 
4 الجنسويّة Sexisim نحت هذا التّعبير بالمماثلة مع العنصريّة، للتعبير عن التّمييز المستند إلى النّوع. ويقصد به: نمذجة اعتباطيّة للذّكور والإناث تستند إلى الجنس.
 
5 راجع/ي كتاب نبيلة اسبانيولي و د. هالة اسبانيولي، الجنسويّة في أدب الأطفال، مركز الطّفولة- مؤسّسة حضانات النّاصرة، 2002. و د. هالة اسبانيولي، رهام أبو العسل، نبيلة اسبانيولي، منى ظاهر، الجنسويّة في الكتب المدرسيّة،  مركز الطّفولة- مؤسّسة حضانات النّاصرة، 2009.
 
6 للمزيد عن التّربية العائليّة راجع/ي كتاب د. هالة اسبانيولي صور عائليّة، إصدار المؤلّفة، 1995.
 
* المصدر:
مجلة "همسة وصل"، العدد الرابع عشر

إنّ التطوّر الجنسيّ هو تطوّر بشريّ يخضع لقوانين ومرتبط بالصّفات الشّخصيّة للفرد، وعلى الرّغم من كونه نتاجًا لتطوّر بيولوجيّ فإنّه يمرّ بمراحل ترتبط بالنّضج وبالتّعلّم الاجتماعيّ والتّهيئة النفسيّة، إذ يحدّد سلوك الإنسان بالإضافة إلى مستوى نموّه عدّة عوامل: ثقافته، تجاربه الحياتيّة، القوى البيولوجيّة والوراثيّة المتوفّرة لديه وظروف الحياة الأخرى (الاقتصاديّة، السياسيّة، الاجتماعيّة، النّفسيّة،...).