العذريّة في منظار العقلانيين العرب

صحيفة الأخبار- عدد الجمعة 27 شباط 2009


 ما قيمة العذرية واقعياً ورمزياً، إذا كنا نعلم أنها قابلة للاسترداد في نصف ساعة؟ «تابو البكارة» عنوان مؤلف جماعي لمجموعة باحثين عرب، بإشراف رجاء بن سلامة، يتناول رمزية هذا «المحظور» بين الأمس واليوم
 
كان موقع «الأوان» الإلكتروني قد طرح قضية إشكالية للنقاش تتعلق بأهمية «العذرية» في المجتمع العربي، انطلاقاً من حادثة وقعت في مدينة ليل الفرنسية. إذ قضت المحكمة بطلاق زوجة مغربية لأنّها ليست عذراء. السجالات التي دارت في الموقع، ضمّها أخيراً كتاب «تابو البكارة» (دار «بترا» ورابطة العقلانيين العرب)، بإشراف الباحثة التونسيّة رجاء بن سلامة.
يرصد عبد الصمد الديالمي في «نحو موت العذرية» تاريخ العذرية كتابو مقدّس، لا في الإسلام وحسب، بل لدى كل الشعوب البدائية، نظراً إلى رمزية «الافتضاض» وطقس الدم. ويراهن الباحث المغربي على العلمانية في إلغاء هذا التقليد الوحشي، داعياً إلى قطيعة مع الأوهام الأبوية والذكورية التي أسهمت في تشييء المرأة وهضم حقّها في الجنس.
ورأت رجاء بن سلامة أنّ تابو البكارة بات اليوم في خانة «لزوم ما لا يلزم من الألم»، ذلك أنّ هذا الطقس التاريخي يدخل في باب التعذيب، بعد انفتاح أفق المساواة بين الجنسين وانتفاء مبدأ «الجسد هو المصير» بالنسبة إلى المرأة، كما أنّ وسائل رتق البكارة قلّلت من شأن العذرية وأسهمت في الخداع والغش بين الزوجين. ورأت أنّ التنظيم الحديث للمتعة، كما تعكسه منظومة حقوق الإنسان، ليس تنظيماً همّه مراقبة جسد المرأة، كما هي الحال في المنظومات الدينية التوحيدية والأبويّة، بل همّه إقرار الحرّية والمساواة بعيداً عن الغبن والقمع الجنسيّ.
وتوقفت هالة أحمد فؤاد عند ظاهرتي الختان والافتضاض، واعتبرت الختان إعادة إنتاج للقهر تمارسه الأم التي تتبنّى قيم المجتمع الذكوري على ابنتها، وإذا بها تورثها إحساساً مقيتاً بجسمها وحرمانها من حقها الطبيعي في المتعة، كأنّ هذه الطاحونة الجنونية تعبّر عن رغبة بعيدة في اللاوعي، تقطن في أعماق النساء لإخصاء القامع الذكوري، وإجهاض إمكان الإشباع الجنسي المتبادل بين الذكر والأنثى. أما ظاهرة الافتضاض التي تتم بمشهدية احتفالية، وخصوصاً في القرى والأحياء الشعبية، فهي مشهد دموي للفتاة ولحظة رعب للرجل: ماذا لو لم يستطع أداء الدور على أكمل وجه؟ العنّة والخصاء ينتظرانه كعقاب مضاد لما تتعرّض له الأنثى في صراع شرس ينطوي على قدر من العداء والعنف المتبادل بين الطرفين، أو «عنف موجّه للآخر عبر مرايا الذات».

ويرى عمر قدور أنّ ثقافة العفّة مبنيّة أصلاً على قهر الرغبات الطبيعية للجنسين، وما يتولّد عنها من آثار تطال المجتمع. ثقافة العفّة، تقابل بالضرورة ثقافة الاستمناء «حيثما يغبْ التواصل بين الجنسين تنعدم الفرصة لاختبار الذات، وتنمُ تصورات غير واقعية عنها». ذلك أنّ تهميش الجسد يؤدي إلى ضمور الحواس. ويشير عمر إلى أن «سدنة العفّة» يدركون خطورة الجسد ويخشون فعله التخريبي للأنساق الثقافية القائمة. وهكذا فالبكارة، في نهاية المطاف، لا تخصّ كلّ امرأة، بل هي «غشاوة على أعين الجميع، رجالاً ونساءً». وتباغتنا فرات اسبر بسؤال «أيها العلمانيّ: هل تفضّلها بغشاء بكارة أم دون غشاء؟» فهي خلال تحقيقات ميدانية أجرتها وجدت أن ضحايا الحرية الجنسية من النساء ينتهين أخيراً لدى إحدى العيادات الطبية المختصة بالرتق، تخلّصاً من فضيحة تنتظرهنّ من المجتمع المغلق أولاً، والعلماني ثانياً، فكلاهما ينظر إلى الأمر من باب العار.

في توصيفه لمسألة العذرية، يقول حميد زنار إنّها «وصمة عار على جبين العربي المسلم»، ذلك أنّ التصورات الإسلامية للمرأة وضعت قضية العذرية في مكانة مقدّسة، إذ ليس هناك مسافة بعيدة بين «نحر الأضحية، وفضّ غشاء البكارة». ويتساءل «ما قيمة العذرية واقعياً ورمزياً، إذا كنا نعلم أنها قابلة للاسترداد في وقت لا يتجاوز نصف الساعة؟». حميد زنار يختصر الثقافة العربية في هذا الشأن بعبارة ناريّة «العربي المسلم: أنا أفضّ إذن أنا موجود». ويسلّط معاذ حسن الضوء على جرائم الشرف كنتيجة كارثية لتواطؤ قوى ظلامية متشددة وسلطات مستبدة جائرة في اغتيال العقل العربي، لأنّ مسألة الشرف في الثقافة القبلية السائدة، وخصوصاً في القاع الاجتماعي، ثقافة تنكر حق الفرد في الاستقلال بتفكيره وحاجاته، أو حق التصرّف بجسده.
هل تُطوى مسألة العذرية من الثقافة العربية بفعل الطبيعة؟ تجيب دارين أحمد «لا بد من أن تعمل الطبيعة على إزالة غشاء البكارة تدريجاً، بالطريقة نفسها التي اختفى بها ذيل الإنسان».

 

تابو البكارة بات اليوم في خانة «لزوم ما لا يلزم من الألم»، ذلك أنّ هذا الطقس التاريخي يدخل في باب التعذيب، بعد انفتاح أفق المساواة بين الجنسين وانتفاء مبدأ «الجسد هو المصير» بالنسبة إلى المرأة، كما أنّ وسائل رتق البكارة قلّلت من شأن العذرية وأسهمت في الخداع والغش بين الزوجين. ورأت أنّ التنظيم الحديث للمتعة، كما تعكسه منظومة حقوق الإنسان، ليس تنظيماً همّه مراقبة جسد المرأة، كما هي الحال في المنظومات الدينية التوحيدية والأبويّة، بل همّه إقرار الحرّية والمساواة بعيداً عن الغبن والقمع الجنسيّ.