العلاقات الجنسية والحميمية بعد الولادة

2012

في الأسابيع الأولى بعد الإنجاب، لا تقوم غالبية النساء بعلاقات جنسية تشمل ولوج القضيب. فالنزف بعد الولادة يتواصل ما بين شهر وستة أسابيع، حيث يحتاج المهبل إلى عدّة أسابيع لكي يعود إلى وضعه الطبيعيّ؛ بعد أن تعرّض لتمدّد شديد خلال عملية الإنجاب. وبعد خروج المشيمة (الخلاصة) من الرحم، يحتاج الأخير فترة زمنية معيّنة للتعافي والشفاء، وفي هذه الفترة تكون المرأة حسّاسة جدًّا للالتهابات، لذلك يُنصح بعدم وصول السائل المنويّ أو مستحضرات ترطيب المهبل أو جِل القضاء على الحيوانات المنوية إلى داخلها. كما يعتقد بعض الأطباء أنّ القيام بعلاقات جنسية تشمل الولوج قبل تعافي المهبل التامّ، قد يؤدّي إلى تشكّل نسيج مهبليّ نُدبيّ. ولهذا السبب ينصح غالبية الأطباء بالانتظار بضعة أسابيع بعد الإنجاب حتى خضوع المرأة للمراجعة الأولى لدى طبيب النساء قبل القيام بعلاقة جنسية تشمل ولوج القضيب؛ وذلك للتأكد من أنّ الموضع قد شُفي تمامًا، ولتحديد وسائل منع الحمل الملائمة للاستخدام.

يجب أن تكون وسائل منع الحمل ملائمة لكلّ امرأة بشكل شخصي؛ حيث يتمّ اختيار هذه الوسائل بناء على عدّة عوامل: كون المرأة مرضعًا أو غير مرضع (بعض حبوب منع الحمل تصلح للمرضعات وأخرى لا تصلح)، طريقة الإنجاب (بعد الإنجاب الثاني يمكن وضع لولب رحميّ)، ورغبة المرأة وزوجها واختيارهما (بعض الرجال لا يفضّلون استخدام الواقي الذكريّالكوندوم وما شابه). كما أنّ الكثير من النساء يعانين من جفاف في المهبل؛ نتيجة انخفاض مستوى هرمون الأستروجين وهرمونات أخرى، وقد تستمرّ هذه الظاهرة حتى ستة أسابيع. بالإضافة إلى ما ذُكر، إنّ تراجع انقباض العضلات في مِنطقة المهبل قد يؤدّي إلى تراجع المستوى الحسي خلال إقامة العلاقة الجنسية وتراجع قوّة ذروة النشوة الجنسية.

من المهمّ أن نعرف أنّ جسم المرأة بعد الولادة لا يكون متوازنًا من الناحية الهرمونية، وهناك احتمال كبير لأن تحمل المرأة مرّة أخرى. وهنا تجدر الإشارة إلى عدم صحّة الادعاء بأنّ المرأة المرضع لا تستطيع أن تحمل. الأمّهات المرضعات يحملن دائمًا (وأيضًا الأزواج اللواتي يقمن بعلاقات جنسية غير آمنة خلال الدورة الشهرية).

من المهمّ أن نعرف أنّ الواقيات الذكرية المزيّتة أو تلك التي تحتوي على مادّة لقتل الحيوانات المنوية، قد تؤدّي إلى حرق في الأنسجة الرقيقة في المهبل. والمرأة التي تعاني من جفاف بعد الولادة وتكون قلقلة بشأن الاكتواء، ننصحها بالتوجّه إلى طبيب النساء للاستشارة حول الحلول المتوافرة.

أمّا النساء اللواتي تعرّضن لخزع المهبل (شقّ جراحيّ في المهبل يُحدثه الطبيب أثناء الولادة لتوسيع فتحة المهبل) أو لتمزّق في فتحة المهبل، فإنهنّ سيعانين من أوجاع لبضعة أسابيع، وسيستصعبن الجلوس والملامسة الموضعية. إذا تمّت الولادة بعملية قيصرية يجب الحصول على موافقة صريحة من الطبيب قبل القيام بعلاقة جنسية.

ما الذي يطرأ على الرغبة الجنسية والأداء الجنسيّ للمرأة بعد الولادة؟

بعد الولادة تعاني العديد من النساء من تراجع في الرغبة الجنسية؛ وذلك في أعقاب الإرهاق الجسمانيّ أو النفسانيّ (خصوصًا إذا كان هناك أولاد آخرون غير المولود الجديد)، والوَهْن والأوجاع في مِنطقة الجرح، وأيضًا لسبب صعوبات الأمومة (خصوصًا في الولادة الأولى)، ومن الاشتغال التامّ بالعناية بالمولود؛ إذ تكون المرأة – في كثير من الأحيان – مشغولة بدورها الجديد وغير متفرّغة عاطفيًّا لتجديد العلاقة الحميمية مع زوجها.

تتأثّر وتيرة العلاقة الجنسية بعد الولادة بين المرأة وزوجها بالكثير من الأمور المهمّة المرتبطة بنوعية العلاقة بينهما؛ فمثلًا، هل يساهم الأب بنصيبه في أعمال البيت وفي كلّ ما يتعلق بالطفل؟ هل ترحّب الأمّ بمساعدته أم أنّها تتعامل معه بعصبية وانتقاد، في كلّ مرّة يمدّ يده فيها نحو الطفل؟ (إذا كان أحد الوالدين غير قادر على العناية بالطفل لأسباب مختلفة، فهناك طرق أخرى يُمكنه/ا من خلالها تقديم المساعدة لرعاية المولود الجديد. وخلال بضعة أشهر يكبر الطفل ويصبح بإمكان الوالد "المفركش" العناية بالطفل بشكل أكثر فاعلية وبراحة أكبر).

كما أنّ الأزواج الذين يتوقفون عن التعامل مع زوجاتهم باعتبارهنّ نساء جذّابات وشريكات في الحياة الجنسية، إنّما يعاملونهنّ كـ "أمّهات" فقط، يصبحون أقلّ انجذابًا لهنّ وتتراجع رغبتهم عن السابق في إقامة علاقة جنسية معهنّ.ومع أنّ غالبية النساء يأملن ويرغبن بالبقاء جذّابات وجميلات في جميع الأحوال، يجب عليهنّ أن يكنّ واعيات: الحرص على المظهر الجذّاب أمام الزوج وعدم التعامل معه ومع العلاقة الزوجية كأمرين مفهومين ضمنًا. الكثير من الأزواج يُجبرون على التأقلم مع دورهم الجديد كأهل، وكشريكين في حياة زوجية جنسية في الوقت نفسه. والتأقلم مع هذين الدورين ليس بالأمر السهل، وأحيانًا يأتي دور "الأهل" على حساب "الحياة الزوجية". الرجال الذين حضروا عملية الولادة وشهدوها بمراحلها المختلفة، قد يشعرون بالنفور والابتعاد عن المرأة. بعضهم يخشون أن يسبّبوا لها الألم، والبعض الآخر يتنازل تمامًا عن إقامة علاقة جنسية مع زوجته، وهذا أمر مؤسف.

الكثير من الآباء الشباب يغارون من المولود الجديد ومن الرعاية التي يحظى بها من الأمّ، "على حساب" الزوج. يجب التحاور حول هذا الأمر والحذر من عدم إهمال الزوج والحياة الزوجية. أمّا بخصوص الأسباب الطبّية عند المرأة، المرتبطة بتراجع الرغبة الجنسية بعد الولادة، نذكر الأوجاع المرافقة لعملية الولوج لسبب جفاف المهبل، وَهْن الجسم وخسارة العديد من المعادن والڤيتامينات، التغيّرات الهرمونية والتغيّرات في الوزن ومبنى الجسم؛ ذلك بالإضافة إلى الإرهاق وتبدّل المِزاج، وأحيانًا الانعزال الذي قد يصل إلى حدّ الإصابة باكتئاب ما بعد الولادة، وما شابه ذلك من أمور تتعرض لها المرأة بعد الولادة.

يشير بعض الأبحاث إلى أنّ تراجع الرغبة الجنسية سببه انخفاض مستوى إفراز الهرمون الجنسيّ الذكريّ الذي يُفرَز من المبيضين. هذا وإنّ ظاهرة تراجع الرغبة الجنسية قد تستمرّ عدّة أشهر بعد الولادة، وبكلمات أخرى: إلى أن تتعوّد المرأة وزوجها الحياةَ الجديدة وكونَهما والدَين، أو يتعوّدا وجودَ طفل جديد في البيت.

كيفية المحافظة على الحميمية الزوجية:

بعض الأزواج لا ينتظرون الولادة للحديث عن التغيّرات التي ستطرأ على حياتهم بعد الولادة، بل يتناقشون عن الأمر خلال فترة الحمل. هؤلاء الأزواج يكونون قد هبطوا على الواقع الجديد وهم جاهزون نسبيًّا؛ فلم يصطدموا بالتحوّلات التي طرأت على حياتهم. وعشية الولادة التالية، من المهمّ الحديث مع الزوج وتذكيره بأنّ الفترة الأولى بعد الولادة تتطلب تأقلمًا خاصًّا فيما يتعلق بالحميمية الزوجية.

أحد أسوأ الأمور التي قد تحدث بخصوص العلاقة الجنسية بعد الحمل هو التظاهر بأنّه لا توجد أيّ مشكلة، بينما – في الواقع – تكون هناك مشكلة، ومشكلة عويصة، أيضًا. لا يمكن حلّ أيّ مشكلة من خلال تجاهلها والتظاهر بالنوم لتلافي المضاجعة، أو التمرس في موقع الدفاع عن النفس والشعور وكأنّه يتمّ التهجّم علينا. العديد من الأزواج سرعان ما ينجرفون لوضعية صداميه تبدأ معها المشاجرات الصبيانية والغيرة وصراعات القوّة والتواصل العدائيّ، وهي سلوكيّات تؤدّي إلى تباعد الزوجين ظنًّا منهما أنّ سبب هذا التباعد هو الطفل؛ وذلك أمر يُضرّ بالعلاقة الزوجية بشكل عامّ وبالعلاقات الجنسية بشكل خاصّ. وفي بعض الأحيان المتطرّفة يشعر الأهل ببغض تجاه الطفل الذي "هدم" علاقتهم الزوجية.

وكما هو الحال في جوانب أخرى من العلاقة الزوجية، فإنّ التواصل المنفتح والصريح هو مِفتاح لحلّ جميع المعضلات. إذ يكون قد حان الوقت لإعادة تعريف بعض الأمور والتعامل معها من منظور مغاير. فإن كانت العلاقة الجنسية – في السابق – أمرًا مفهومًا ضمنًا، فمن المحتمل أنّه يجب علينا، الآن، أن نخطّط للأمر وأن نختار التوقيت المناسب لتنفيذه.

في هذه الحالات قد يكون التمتع الجنسي الذاتي (العادة السرّية) حلًّا لا بأس به على الإطلاق. أحيانًا يمكن البدء بالاستمتاع على انفراد، بينما يكون الشريك مستلقيًا بجانبكم، كما يُمكنكم أن تطلبوا منه أن يحضنكم وأن لا يفعل شيئًا آخرَ. وأحيانًا، يكون مجرّد وجوده أمرًا مثيرًا قد يتطورّ إلى إشباع رغبة أحد الطرفين، ولربّما إلى علاقة حميمية أكبر.

نصيحة عملية

ننصح بأن يُخصّص الأزواج لقاء واحدًا في الأسبوع يجمع بين الرجل والمرأة بدون وجود المولود الجديد. ومن لا يتمتّعا بوجود جدّ وجدّة قريبًا من البيت، ننصحهما بتدبير حاضنة (بيبي سيتر) جيّدة ومرنة. ننصح بدعوة بعض الفتيات إلى البيت ليعرف الوالدان أيّ فتاة تتواصل بشكل جيّد مع الطفل. يُفضّل التنسيق مع فتاتين أو ثلاث لكي لا يكون الأهل متعلقين بفتاة واحدة، فقط. التكلفة المالية للأمر والشعور بالذنب (أنا أم سيّئة تترك مولودها مع فتاة غريبة... أو الطفل يحتاج إلى أمّه فقط، وما شابه ذلك من شعارات طنّانة) هما ثمن مُجدٍ عندما ندرك أنّ ذلك ضروريّ للحفاظ على العلاقة الزوجية والحميمية. بعض الأزواج يُبدعون في تهيئة الأجواء الملائمة في البيت ويخصّصون الوقت المطلوب للحميمية الشعورية بشكل عامّ، والجنسية بشكل خاصّ. من المهمّ جدًّا أن ندرك أنّه إذا كان هناك ما يشوب العلاقة الزوجية فإنّ الأطفال يُدركون ذلك على الفور. وإذا كانت علاقة الوالدين مع بعضهما بعضًا تخلو من الرغبة أو التمازج، فقد يعاني الأبناء من ذلك بقدْر معاناة الوالدين نفسيهما.

إنّ تركيز كلّ طاقتكم على الأمومة أو الأبوّة، بدون ترك حصّة لأنفسكم كعشّاق ومعشوقين، هو خطأ جسيم. وإلى أن تنتبهوا إلى أنّ شيئًا ما قد أصابه الخلل في علاقتكم الزوجية، قد يكون الوقت قد فات لإصلاح ما وقع.

خلاصة الحديث:

لقد وجد الباحثون أنّ غالبية النساء تعاود ممارسة العلاقات الجنسية بعد مرور نصف سنة على الولادة. بعض النساء أبلغن أنّهنّ عُدن لممارسة العلاقة الجنسية الكاملة بعد مرور سنة كاملة على الولادة. في بداية العلاقة يُنصح بعدم الولوج عميقًا وتُفضّل المضاجعة بوضعية "الملاعق". يمكن استخدام موادّ ترطيب على أساس مائيّ لتسهيل الولوج. لا داعيَ للقلق من ملامسة ثدي المرأة المرضع، ولا داعيَ للخوف من إفراز الحليب عند الملامسة. تجب ملاءمة وتغيير أوقات المضاجعة بما يريح المرأة.

 

يمرّ على المرأة – بعد مرحلة الحمل والولادة – العديد من التغيّرات الجسمانية والنفسانية: يضعف الجسم ويخسر معادنَ وفيتاميناتٍ مختلفةً، وتطرأ عليه تغيّرات هرمونية وتغيّرات أخرى في البُنية والوزن. كما أنّ التعب وتقلّبات المِزاج، وأحيانًا القنوط إلى حدّ الإصابة باكتئاب ما بعد الولادة، تُعتبر جزءًا أساسيًّا من التغيّرات التي تشعر بها المرأة. جميع هذه العوامل تؤثّر – إلى حدّ بعيد – على علاقة المرأة الزوجية والحميمية مع زوجها.