تطور الهوية الجنسية والجندرية لدى الأطفال والطّفلات

المنتدى العربي لجنسانية الفرد والأسرة
كانون أول، 2011
______________________

في مراجعة للتاريخ البشري نجد أن "الهوية الجنسية"، بل الجنسانية1 بمركباتها الشمولية، كانت دائما موضعا للتجاذب الفكري والقيمي، بين تيارات فكرية وعقائدية متعددة. قد يبدو للوهلة الاولى أن الجدل كان أكثر تأججا في ظل النقص في المعرفة وعدم اليقين وانعدام الحقائق الملموسة مما يفتح المجال للتأويل والافتراض والاختلاف.لكن الجدل حول الهوية الجنسية لم يتوقف حتى في زمننا هذا وعلى الرغم من توفر آلاف الوثائق العلمية والأدبيات الفكرية والتحليلية التي وصلت إلى "شبه إجماع" في تحديد معالم تطور الهوية الجنسية لدى الأنسان في مراحل الطفولة الأولى.

 

"شبه الإجماع" هذا، لا يعكس بالضرورة ان هناك اتفاقا حول طرق التعامل الأمثل مع سلوكيات الأطفال وتفاعلهم مع أجسامهم وحب استطلاعهم. اذ أننا ومن خلال خبرتنا في العمل مع الأهالي ومع الكوادر التربوية لمسنا التخبطات بين ما هو مطروح "كحقائق علمية" وبين تطبيق هذا الطرح بالسلوك وبالممارسة التربوية، وبالتالي لا بد من تسليط الضوء على قضيتين اساسيتين واللتين ستكونان محور نقاشنا في هذه المقالة. القضية الاولى تتعلق بالمستوى المعرفي بما يتعلق بالهوية الجنسية والهوية الجندرية، اما القضية الثانية فهي ترتبط بالبعد الثقافي والذي يعكس القناعات، والتوجهات والمعتقدات التي يحملها التربويون والأهل، والتي تشكل المرجعية الأساسية بالتعامل مع السلوك الجنسي للطفل.

كيف نقلص الفجوة بين الحاجة الى ضرورة التعامل العلمي والاكاديمي مع موضوع الهوية الجنسية من جهة، وبين احترام خصوصية المجتمع وعاداته من جهة اخرى؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في سياق هذه الورقة.

المستوى المعرفي:

لعل أهم إسهام لفرويد هو تخطيه لكل الأعراف التي كانت سائدة في بداية القرن العشرين وتحديه للقيم "الفكتوريانية" القامعة للحريات الفردية والجنسية، وذلك من خلال تركيزه على "الجنس" كمكون أساسي لكل مراحل التطور البشري2. لكن الأبحاث العلمية المتتالية خلال السنوات التي تلت فرويد، ناقضت الكثير مما جاء به، خصوصا تلك الأجزاء المتعلقة بمرحلة "الكمون" وهي حسب فرويد، الفترة التي تسبق المراهقة والتي يكون بها الطفل "لا-جنساني" .

لقد أجمعت النظريات على أن الإنسان "جنساني" منذ بداية تكوينه وهو جنين وحتى مماته، ولكن شكل ومضمون جنسانيته متغير ومتحول حسب المراحل العمرية3.

لكي نفهم مسار تطور الهوية الجنسية، لا بد لنا أن نتطرق إلى الهوية الجندرية (النوع الاجتماعي) أيضا لأنهما متداخلتين ومتوازيتين في آن واحد. إذ ترتبط الهوية الجندرية بالفروقات في سلوكيات الذكر والأنثى، وفي الأدوار المتوقعة منهم ضمن السياق الاجتماعي الذي يعيشون به. بالمقابل، ترتبط الهوية الجنسية بالمبنى البيولوجي للأعضاء الجنسية، الهرمونات والصفات الوراثية (DNA). تتطور الهوية الجندرية والهوية الجنسية في آن واحد لأن كل منهما تؤثر وتتأثر من الأخرى وذلك على الرغم من اختلافهما4.

ما هي إذا المراحل التي يمر بها الطفل لتشكيل هويته الجنسية والجندرية؟

تمتد مرحلة الطفولة حسب منظمة الصحة العالمية من جيل صفر وحتى نهاية جيل الثامنة عشرة وسنحاول في هذا القسم أن نتطرق للهوية الجنسية عبر مراحل النمو المختلفة وسيكون التركيز على مراحل الطفولة المبكرة والمتوسطة (0-9 عاماً) ولن نسهب بالحديث عن مرحلة المراهقة لأنها تحتاج إلى فحص ونقاش مطولين.
 
السنة الأولى:

“تتميز المرحلة الأولى من النمو بان الطفل يتعرف على العالم من حوله بواسطة حواسه الخمس، وكذلك يتعرف على ذاته من خلال تجاربه الحسية. فجسمه هو جزء من البيئة حوله والتي يحاول التعرف عليها مدفوعا بحب الاستطلاع الطبيعي وبالمتعة التي توفرها له تجاربه الحسية مع العالم المحيط به بما في ذلك جسمه.”

وقد أكد كينسي6 (1948 – 1953)7 أن 32% من الأطفال الذكور يمارسون التمتع الجنسي الذاتي (ما هو معروف بالعادة السرية) في جيل 5 أشهر ولكن بدون قذف، بسبب انعدام السائل المنوي لديهم. فيما يتعلق بالهوية الجندرية لهذه المرحلة فسيميز الطفل أصوات ووجوه النساء والرجال، يحولون أنظارهم إلى الأم أو الأنثى عندما يسمعون صوت أنثوي وإلى الذكور أو الأب حين سماع صوته.

 
2-5 سنوات:

عندما يبدأ الأهل في تدريب الطفل على التحكم في عملية التبول والتبرز يزداد فضوله في استكشاف أعضاؤه الجنسية واختبار المتعة التي تحصل كنتيجة لمداعبتها8. علما بأن النهايات العصبية والحسية للأعضاء الجنسية تكون قد اكتملت مما يفسر شعور الأطفال باللذة. يمارس الأطفال (الذكور والإناث) التمتع الجنسي الذاتي بكثرة في هذه المرحلة وأكثر من أي مرحلة أخرى من مراحل الطفولة. هذا السلوك طبيعي لأنه يهدئ من روعهم ويشعرهم بالراحة والاسترخاء، لكن هذا الشعور يختلف عن المتعة الجنسية التي يشعر بها البالغين، لأن الأطفال ليست لديهم رغبة جنسية ليعبروا عنها ولكنهم يكررون مداعبة أعضائهم بسبب اللذة التي اختبروها مسبقا.

تتميز هذه المرحلة أيضا باهتمام الأطفال بأجساد الآخرين من خلال المراقبة والتساؤل حول المواقف الحية اليومية. مثلا قد تجرب الطفلة الأنثى أن تتبول وهي واقفة مقلدة الذكور من حولها، أو قد يتم التعبير عن هذا الفضول من خلال اللعب، "لعبة الدكتور" وأحيانا خلع ملابسهم أو ملابس الدمى لاستكشاف ما يوجد تحتها، وقد يعبرون عن رغبتهم بالزواج بدون أن يدركوا المعنى الفعلي للزواج، هذا بالإضافة إلى استكشاف أجسادهم مع نفس الجنس من خلال سلوكيات "مثلية"، كأن تتفحص البنات فيما بينها الأعضاء الجنسية أو أن يتعرى طفلين ويقربان عضويهما الجنسيين لدرجة الملامسة. كل ذلك يعتبر طبيعياً.

في هذه المرحلة يتعلم الأطفال التسميات للإشارة إلى الأعضاء الجنسية المختلفة ولذلك فمن المهم تزويد الطفل بالتسميات الصحيحة وتمكينه من فهمها. على سبيل المثال"فرج" هو الاسم المستخدم للعضو الجنسي الأنثوي، و"قضيب" هو اسم العضو الذكري.قد يستخدم الطفل التسميات الشعبية ولكن من المهم أن يعرف التسمية الصحيحة لأن التسميات الشعبية قد يكون لها معانٍ متعددة في سياقات مجتمعية متنوعة، مما قد يسبب الحرج للطفل، بل وللأهل في بعض الأحيان عندما يتفوه الطفل بالمصطلحات أمام الآخرين، كما وأن استخدام المصطلحات الصحيحة سيمنح الطفل رسالة ايجابية عن جسمه وعن أعضاءه المختلفة.

سيطرح الأطفال أسئلة حول "من أين جئت؟" وغيرها من الأسئلة المرتبطة بالاختلافات بالشكل والسلوك بين الجنسين "ليش ماما عندها صدر كبير؟ أو ليش اختي ما عندها قضيب؟". وهنا يجد الأهل أنفسهم بالمحك إذ عليهم اتخاذ قرار تزويد الطفل بالإجابة الصحيحة أو ترك الطفل ليحصل على المعلومة من أطفال آخرين وقد تكون هذه المعلومات مشوهة.

لردود فعل الأهل أهمية كبرى وتلعب دورا مركزيا في تشكيل الهوية الجنسية للطفل9. فمثلا لو كانت ردة الفعل معنفة (صراخ أو غضب وعقاب) وسلبية (تجاهل وارتباك وتغيير الموضوع) أو قامعة (عيب، ممنوع لمس الأعضاء، بس تكبر بتفهم...) فإن ذلك سينعكس على الطفل سلبا وستلعب لاحقا، دورا في نظرته ورؤيته لجسده ولجنسانيته. سنتعرض لهذا الموضوع بإسهاب بالجزء الأخير من المقالة.

أما على صعيد الهوية الجندرية، ففي المرحلة الأولية، يطبق الأطفال المفاهيم السائدة من خلال لعبهم. البنات تلعب باللعبة والولد يلعب بالسيارات والشاحنات، وهنا أيضا يساهم الأهل والأطر التربوية التي يتفاعل معها الطفل (الحضانة والأسرة الممتدة) في تكريس هذه المفاهيم من خلال التعامل المغاير للذكور وللإناث كألوان ونمط الملابس، الأثاث ونوعية الألعاب. لاحقا، وبجيل 3 سنوات يطور الأطفال الهوية الجندرية ويبدأون بالتعامل مع أنفسهم ومع الآخرين على أساس نوعهم الاجتماعي10 ويستخدمون المصطلحات للتعبير عن الاختلافات، مستعينين بمبدأ "التصنيف الجندري" (gender typing )، أي وضع الأشياء ضمن أصناف بما فيها النوع الاجتماعي وذلك من خلال الألعاب واللباس، فمثلا قد يعتبر الطفل الفستان أنثى لأنه يخص النساء أو سيارة الشحن على أنها ذكر لأنها لعبة "الذكور".

بجيل 4 سنوات يبدأ الأطفال باستخدام التصورات الجندرية(geder scripts) بمعنى انهم يضعون الأفعال او الأحداثفي تصنيفات مرتبطة بالجندر. إذا استخدم شخص أحمر الشفاه أو كان لديه شعر طويل فهو حتما امرأة بالنسبة للطفل، ولا يفهم الطفل في هذه المرحلة الفرق البنيوي الثابت، فيعتقد الطفل مثلا بأن الذكر لو نما شعره فسيصبح أنثى. في هذا السياق يلعب الأهل دورا مهما في ترسيخ هذه التصورات إذ ترتبط الأدوار التي يقوم بها الأب والأم في المنزل ببلورة رؤيته للدور الجندري. في العائلة التقليدية على سبيل المثال، سيفهم الطفل أن الأم هي المسؤولة عن تنظيف المنزل وهي المسؤولة الأساسية عن رعايته (الاغتسال، الذهاب الى النوم والخ). أو لو كان الأب هو المسؤول عن جلي الصحون فسيظن الطفل أن غسل الصحون هي مسؤولية الذكر.

6-9 سنوات:

بهذه المرحلة أيضا يستمر حب الاستطلاع لاستكشاف هذه التغييرات وفهمها وبالتالي فقد ينشغلون بمراقبة وتحسيس أعضائهم أو عرضها على آخرين أو مشاهدة أعضاء الآخرين وقد يمارسون الاستمتاع الذاتي. كل ذلك يعتبر طبيعيا وجزءا من التعلم الجنساني والاختلافات بالمبنى الذكري والأنثوي. يبدأ الأطفال في هذه المرحلة باستخدام المصطلحات الجنسية، أحيانا لشتم زملائهم أو للتباهي بمعلوماتهم الجنسية أمام زملائهم.

في هذا العمر يفهم الأطفال السلوكيات المقبولة مجتمعيا والأخرى غير المقبولة. دور الأهل هو تهذيب لغة الأطفال وسلوكياتهم وذلك من خلال تعزيز فهمهم للمصطلحات وللسلوكيات المقبولة ونبذ الأخرى غير المقبولة.
فيما يتعلق بالهوية الجندرية فبجيل 7 سنوات يدرك الطفل أن جنسه ثابت كذكر أو كأنثى بغض النظر عن الشكل والمظهر الخارجي. وفي مراحل متقدمه أكثر يتبلور المظهر الخارجي للذكور والإناث وقد تبدأ بعض الإناث بالدخول في مرحلة المراهقة المبكرة. وفقاً للمعطيات الأخيرة لمنظمة الصحة العالمية، تبدأ مرحلة المراهقة من جيل 9-14 عاماً.تعود الأسباب في تراجع جيل البدء في مرحلة المراهقة الى التغييرات الهورمونية في الجسم والناتجة بالأساس عن ارتفاع نسبةاستهلاك الطعام المليء بالدهنيات. تشير احدى الأبحاث التي اجريت مؤخرا في الولايات المتحدة، انه في جيل 9 سنوات، %77 من الفتيات من أصل افريقي وثلث الفتيات البيض ظهرت لديهن علامات المراهقة، كنمو الثدي والشعر في منطقة العانة، وهي علامات لم تكن لتظهر قبل جيل العاشرة، في العشرين سنة الاخيرة.
في هذه المرحلة تنشط غدد العرق لدى الإناث والذكور مما يجعلهم بحاجة لاستخدام المعطرات المزيلة لرائحة العرق. تنشط أيضا الغدد الدهنية وتسبب ظهور "حب الشباب" والذي سيتعامل معه الأطفال كمشكلة كونه يحدث بمرحلة عمرية مبكرة مما سيسبب لهم الإحراج أمام زملائهم.

10-12 سنة:

خلال هذه المرحلة يكون التطور الجنسي نشطا وسريعا مع ظهور علامات البلوغ كالحيض ونمو الثديين لدى بعض البنات، بينما يتغير صوت الذكور وينمو شعر العانة لديهم. قد تسبب هذه التغييرات شعورا بعدم الراحة والإحراج مما يدخل الطفل في خانة الانطواء. تكبر الحاجة لممارسة الاستمتاع الجنسي الذاتي.

ما يميز هذه المرحلة التساؤلات حول التغييرات التي تحدث لدى الأطفال ويكون بالمقابل من الصعب على الأهل مناقشة هذه المواضيع.

يبدو الأطفال في هذه المرحلة بالغين ببنيتهم الجسدية ولكنهم لا يزالون أطفالا بعمرهم البيولوجي وبنضجهم العاطفي والنفسي.

12-18 سنة:

يكتمل النمو الجسمي خلال هذه المرحلة وتنشط التخيلات الجنسية والاحتلام الليلي لدى الذكور والإناث11.

بسبب التغيرات الهورمونية تكون هناك تقلبات حادة بالمزاج تسفر عن توتر بالعلاقة ما بين الطفل وأهله. تتشكل الهوية الجنسية ويكبر الاهتمام بالمظهر الخارجي وبردود فعل الآخرين عليه، كما ويزداد الاهتمام ببناء علاقات حميمية مع شخص آخر.

تجدر الإشارة إلى أن للمرحلتين الأخيرتين أهمية خاصة لأنهما تشكلان "فترة المراهقة" وهي الفترة التي تشهد تطرفا في حدة التغيرات الجسدية والعاطفية. لكن على الرغم من الأهمية الخاصة لهذه المرحلة، لا مجال للتوسع بها ضمن المساحة المحدودة بهذه الورقة. بالإمكان الاستعانة بموقع منتدى الجنسانية www.jensaneya.org
 
المستوى الثقافي: كيف نتعامل مع "الهوية الجنسية والجندرية"؟

يمكننا أن نستنتج من كل ما ورد سابقا، أن الجنسانية حاضرة في كل مراحل النمو الجسدي، النفسي، العاطفي والإدراكي- الجندري وبالتالي فإن نضوج الهوية الشمولية للطفل مرتبط بشكل وثيق مع اكتمال هويته الجنسية والجندرية. إن جنسانية الأطفال، بمفهومها الشمولي "حاضرة" ليس في سلوكيات الأطفال فحسب، بل أيضا في وعينا وإدراكنا الذهني – المعرفي كتربويين وأهالي. إلا أن هذا "الحضور" لا يسعفنا دائما في المواقف "الحساسة" التي نعيشها مع الصغار. بل ربما، يزيد من حدة التخبطات لأنه يدخلنا من جديد في دائرة الصراع ما بين "المنطقي" وبين "المقبول" مجتمعيا.

أستحضر في هذا السياق موقفا حصل في حديقة الحيوانات مع ابنتًيّ قبل سنوات عديدة، حين كانتا صغيرتين. دخلنا إلى جناح الزواحف والبرمائيات وكان في أحد الأحواض زوج من السلاحف يتزاوجان. اقتربت البنتين إلى الحوض الزجاجي وتابعتا بحماس مشهد التزاوج، بينما تسمرت واقفة بصمت أراقب الموقف مهيئة نفسي لتلقي سؤال "حساس" أو استفسار عفوي قد يصدر بدون إنذار من إحدى الطفلتين. مرت لحظات قبل أن تقول ابنتي الكبرى لاختها : "تعالي شوفي السلحفاة كيف راكْبِه أُختها على ضهرها". ما لبثت أتنفس الصعداء، وإذ عج المكان بمجموعة من الأطفال برفقة معلماتهم، تتراوح أعمارهم بين السادسة والسابعة وتوزعوا بين الأحواض المختلفة. اقترب طفلين إلى حوض السلاحف وقال أحدهما لزميله : "أنظر إلى هذه السلاحف، إنها تتزاوج" وتابعا سيرهما إلى الأحواض الأخرى.جاء اثنين آخرين وعلق أحدهما قائلا :"أنظر إنهما يتكاثران" وأكملا سيرهما. دخلت بعد ذلك مجموعة من أربعة أطفال وقالت طفلة منهم : "أنظروا إنهما يمارسان الجنس"، أما طفل آخر فقد علق على الموقف بكلمات نابية أثارت الضحك لدى البعض والاحتجاج لدى البعض الآخر.

لقد عبر هؤلاء الصغار عن المشهد بزواياه المتعددة وعبروا عن فهمهم الشمولي لعملية "التزاوج" بدون تردد ولا خوف، هكذا بكل بساطة، بينما وجدت نفسي أتساءل لماذا تتعقد كل الأمور لدينا، نحن الكبار حين يتعلق الأمر بالقضايا الجنسانية؟ ماذا سيحدث لو فهم الأطفال "كل شيء"؟؟ ما هي الطريقة المثلى في التعامل مع جنسانية الأطفال وما المطلوب منا كأهل ومربين؟؟؟

يعود سبب التردد لدى معظم المربين والأهل في تزويد الأطفال بالمعلومات الجنسية إلى المعتقد السائد القائل بأن التوعية "ستفتح العيون" وستشجع الأطفال على التجريب، معتمدين بذلك على فرضيتين، الاولى أن الأطفال لا يعرفون شيئا عن الجنسانية، والثانية أن الأطفال سيبقون في حالة "اللا وعي" في حال لم نتحاور معهم حول جنسانيتهم.

الحقيقة هي أن الأهل عموما يتفادون الحديث عن المواضيع التي تحرجهم ولا يشعرون بالراحة عند التطرق إليها12. عدم الراحة أو الحرج هذا، كثيرا ما يكون نتاجا للقيم التي تم تذويتها خلال مراحل نموهم والنابعة من الخبرات التي مروا بها وخصوصا مع أهلهم. فنرى الطفل مثلا يسأل "كيف جئت"؟ والأهل ينتقون الجزء المريح لهم ويبدأون في الشرح عن البويضة والحيوان المنوي، أو يهربون إلى الإجابات العامة مثلا :"طلعت من جسمي أو بطني"، وقد يتهربون من الإجابة بقولهم "لما تكبر بتفهم"، أو يردون بتوبيخ ولوم للطفل على انهماكه بهذه الأمور. أن الأطفال يملكون قدرات هائلة في قراءة ردات فعل أهلهم، وسيترجمون ردودهم في المثال السابق مثلا إما باعتبار الأعضاء الجنسية من "المحظورات" وبالتالي لا حديث عنها وفي حالات متطرفة قد تؤدي إلى شعور بالقرف نحوها والحرج منها. أو قد يشعرون بالإهانة لاستخفاف أهلهم بأسئلتهم وعقولهم وبالتالي يذوتون دونيتهم بالتفكير والمبادرة وخلق الحوار والتعبير عن المشاعر. في أحسن الأحوال سيبحثون عن الإجابات بطرقهم الخاصة وسيحصلون عليها حتما، لكنها ستكون مجرد معلومة، تفتقر إلى السياق الأخلاقي الملائم للأسرة وتخلو من الإرشاد للخصوصية وللحدود.

قد يتساءل البعض عن الأسلوب "الأمثل" للتعامل مع جنسانية الأطفال والإجابة على أسئلتهم، وسيكون الجواب بأنه لا توجد طريقة واحدة لفعل ذلك، فالقيم وأنماط التربية تختلف من أسرة إلى أخرى ومن حق الأهل أن ينقلوا قيمهم الشخصية لأطفالهم، وهم أيضا المبدعون في ابتكار الأساليب الأفضل للتعامل مع أطفالهم لأنهم الأقرب إليهم والأكثر معرفة بهم. لكن مع ذلك، هناك بعض المبادئ والحقائق التي من المجدي أخذها بعين الاعتبار في تعاملنا مع أطفالنا وهي ما سننهي به مقالتنا هذه:
 

* الإنسان "جنساني" من بداية تكوينه وحتى مماته، وبالتالي لا يمكن إنكار هذا الجانب من نموه وعلينا بذل جهود للتعلم أكثر عن جنسانيتنا لنفهم جنسانية أطفالنا وإعطائهم الشرعية في التعبير والحوار.

* فهم السلوكيات الجنسية للأطفال في جميع المراحل كما تمت الإشارة إليها مسبقا، ومنحها الشرعية المطلوبة لكن مع وضع الحدود. مثلا لو تعرى الطفل أمام الغرباء وبدأ باللعب بأعضائه الجنسية بحضورهم، فكيف نتصرف؟ بالطبع لن نقف لنصفق له ولكنها فرصة للتعامل مع الحدث بهدوء وفتح الحوار معه حول مبادئ الخصوصية لأجسادنا وأن هناك تصرفات محددة لا يمكن القيام بها أمام الآخرين. أما لو داعب الطفل أعضاؤه لوحده بالبيت مثلا فالحل الأفضل هو تجاهلهولو كان ذلك صعبا لبعض الأهالي فيجب عدم التصرف بعنف أو بقمع، بل يمكن إثارة اهتمام الطفل بشيء آخر ليتوقف. ذات الشيء ينطبق على ممارسة الاستمتاع الذاتي.

* عندما يسأل الطفل فهذا يعني أنه جاهز لإستيعاب الجواب، لذلك أي محاولة للتهرب أو "التحايل" أو التعنيف سيكون لها أثرا سلبيا على الطفل وعلى علاقته بنا.

* "لكل سؤال جواب"، هذه الحقيقة تضعنا كمربين وكأهالي أمام التحدي في الإبداع لخلق إجابات لأسئلة الأطفال، آخذين بعين الاعتبار عمرهم ومستوى فهمهم. أحيانا قد لا نملك المعلومات الكافية للإجابة وبالتالي من الممكن اعتبار إجابات مثل "لست متأكداً" أو "أعدك اني سأفحص وأعود لك بإجابة"، بأنها إجابات مقبولة لأنها تحترم عقل الطفل وتعطي شرعية لتساؤلاته. عندما يعد الأهل بالبحث عن المعلومة فهم يقدمون بذلك نموذجا ايجابيا في التفكير المستقل الذي يحثّ على البحث عن المعلومة، بدلاً من قبولها كمفهومه ضمنا.

* من المهم أن نحترم عقل الطفل وفسح الفرصة أمامه للتعبير عن مشاعره وقلقه وتساؤلاته.

* كلما بدأنا بالحوار الجنساني مبكرا كلما ضمنّا علاقة بناءة مبنية على الثقة والاحترام مع أطفالنا. في حال لم نقم بهذا التعامل الايجابي مع جنسانيتهم خلال المراحل الاولى من تطور هويتهم الجنسية، فسيكون من الصعب فتح الأبواب للحوار معهم خلال المراهقة وما بعدها.

* من المهم تزويد الأطفال بالمصطلحات والتسميات الصحيحة للإشارة إلى أعضائهم الجنسية لأن اللغة ثقافة وثقافة الحوار هي الضمان للنماء الفكري والإنساني.

من الواضح أنّ التربية الجنسية لا تُكتسب من مصدر واحد. لكن جميع الأبحاث تشير الى أن التربية الجنسية التي يقدمها الأهل في جيل مبكر تحمل أثراً مباشراً وايجابيا على سلوك الطفل في مراحل نموه اللاحقة13.

هذه الثقافة التي ستبدأ في بيوتنا الشخصية أولا ستُعمم حتما وسنصل من خلالها إلى وضع نكون فيه قد ارتقينا بمجتمعنا ولعبنا دورا في تغيير أنماط العلاقات به. سننتقل من دور "المتأثِّر" بردود فعل المجتمع والمحيط تجاه سلوك أطفالنا وتعاملنا مع جنسانيتهم؛ إلى دور "المؤثِّر" على محيطه ويقوده نحو الأفضل.

_______________________
 
تمت الاستعانة بالمصادر التالية :

Bibliography

1. Sex Information and Education Council of the United State Website.

2. Gordon, B. N., & Schroeder, C. S. (1995). Sexuality: A developmental approach to problems. New York: Plenum Press.

3. Friedrich, W. N., Grambsch, P., Broughton, D., Kuiper, J., &Beilke, R. L. (1991). Normative sexual behavior in children. Pediatrics, 88, 456-464

4. Francoeur, R. (1991). Becoming a Sexual Person. MacMillan Publishing Company, New York, NY, USA

5. Kinsey, A. C., Pomeroy, W., & Martin, C. (1948). Sexual Behavior in the Human Male. Philadelphia:Saunders.

6. [1] Kinsey, A. C., Pomeroy, W., & Martin, C., &Gebhard, P. (1953). Sexual Behavior in the Human Female.

7. Philadelphia:Saunders.

8. King, B., Camp, C., Downey, A. (1991). Human Sexuality Today. Prentice - Hall, Inc., Englewood Cliffs, NJ, USA

9. 6DeLamater, J., & Friedrich, W. N. (2002). Human sexual development. The Journal of Sex Research, 39, 10-14.

10. International Planned Parenthood Federation Website

11. World Health Organization website

12. Provider-Parent Partnerships,Purdue University Jodi Putnam with Judith A. Myers-Walls and Dee Love

13. Somers, Cheryl L. and Surmann, Amy T. `Sources and timing of sex education: relations with American adolescent sexual attitudes and behavior`, Educational Review, 57: 1, 37 — 54

14. Woody, J., Randal, A., & D’Souza, H. (2005). Mother’s Efforts Toward Their Children’s Sex Education.

Journal of Family Studies. Vol. 11 No. 1

نبيلة اسبانيولي (1997). التربية الجنسية في الطفولة المبكرة. إصدار- مركز الطفولة

 

 

 

 

1تشكل الجنسانية أحد جوانب الإنسانية الملازمة للإنسان مدى الحياة. وهي تجمع ما بين الجنس، الهوية النوع-اجتماعية، الدور، التوجه الجنسي، الإروتيسية أو الإثارة الجنسية، المتعة، الحميمية، والإنجاب. يعبر عن الجنسانية في أفكار، خيالات، رغبات، معتقدات، مواقف، قيم، تصرفات، ممارسات، أدوار وعلاقات. رغم أن الجنسانية قد تشمل كل هذه الأبعاد، إلا أنها ليست كلها ممارسة أو مُعبر عنها. تتأثر الجنسانية بالتفاعل بين عوامل بيولوجية، سيكولوجة، اجتماعية، اقتصادية، سياسية، ثقافية، أخلاقية، قانونية، تاريخية، دينية وروحانية. (منظمة الصحة العالمية)

2Francoeur, R. (1991). Becoming a Sexual Person. MacMillan Publishing Company, New York, NY, USA

3King, B., Camp, C., Downey, A. (1991). Human Sexuality Today.Page 227. Prentice - Hall, Inc., Englewood Cliffs, NJ, USA

4Provider-Parent Partnerships,Purdue University Jodi Putnam with Judith A. Myers-Walls and Dee Love

5نبيلة اسبانيولي (1997). التربية الجنسية في الطفولة المبكرة. إصدار- مركز الطفولة

6Kinsey, A. C., Pomeroy, W., & Martin, C. (1948).Sexual Behavior in the Human Male.Philadelphia:Saunders.

7Kinsey, A. C., Pomeroy, W., & Martin, C., &Gebhard, P. (1953).Sexual Behavior in the Human Female.

Philadelphia:Saunders.

8Friedrich, W. N., Grambsch, P., Broughton, D., Kuiper, J., &Beilke, R. L. (1991). Normative sexual behavior

in children. Pediatrics, 88, 456-464

9Somers, Cheryl L. and Surmann, Amy T. `Sources and timing of sex education: relations with American

adolescent sexual attitudes and behavior`, Educational Review, 57: 1, 37 — 54

10DeLamater, J., & Friedrich, W. N. (2002).Human sexual development. The Journal of Sex Research, 39, 10-14

11الاحتلام الليلي هو الوصول اللا-إراديإلى الذروة الجنسية (الاورغازم) أثناء النوم،والمرتبط في اغلب الأحيان مع الأحلام الجنسية. يبدأ الاحتلام في المراحل الأولى منجيل المراهقة وقد يستمر الى جيل ما بعد المراهقة،وتعود اسبابه الىالتغييرات في تركيز الهورمونات في الجسم في مرحلة المراهقة. يعتقد الكثيرون بأن الإحتلام الليلي هونشوة جنسية لاإراديةتحصل فقط لدى الذكوروالتيمن خلالهايحصلقذف لا ارادي للسائل المنوي بسببنشاطالخصيتين في إنتاج الحيوانات المنوية. لكن من الجدير ذكره هنا بأنظاهرة الاحتلاموالوصول الى النشوة اللا إرادية هي ظاهرة موجودة أيضاً الإناث، من خلالهاحيث تثار الأنثى بشكل لا أرادي أثناء النوممما يؤديالى حدوثترطيب في منطقة المهبل).

12Woody, J., Randal, A., & D’Souza, H. (2005). Mother’s Efforts Toward Their Children’s Sex Education.

Journal of Family Studies. Vol. 11 No. 1

13Somers, Cheryl L. and Surmann, Amy T. `Sources and timing of sex education: relations with Americanadolescent sexual attitudes and behavior`, Educational Review, 57: 1, 37 — 54

 

في مراجعة للتاريخ البشري نجد أن "الهوية الجنسية"، بل الجنسانية بمركباتها الشمولية، كانت دائما موضعا للتجاذب الفكري والقيمي، بين تيارات فكرية وعقائدية متعددة. قد يبدو للوهلة الاولى أن الجدل كان أكثر تأججا في ظل النقص في المعرفة وعدم اليقين وانعدام الحقائق الملموسة مما يفتح المجال للتأويل والافتراض والاختلاف. لكن الجدل حول الهوية الجنسية لم يتوقف حتى في زمننا هذا وعلى الرغم من توفر آلاف الوثائق العلمية والأدبيات الفكرية والتحليلية التي وصلت إلى "شبه إجماع" في تحديد معالم تطور الهوية الجنسية لدى الأنسان في مراحل الطفولة الأولى.